كريم نجيب الأغر

385

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

--> - جاء في الآية : وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ . . . [ الكهف : 17 ] . ولغرض الانسجام ، راعى الشرع المقام ، وضرب آخر الكلام بأوله ، وعطفه عليه ، وهو أسلوب متّبع في غير موضع من القرآن الكريم ( انظر الحاشية ( رقم 1 ، ص 106 - 109 ) من مبحث « النطفة » ) . وأما الموضع الثاني الذي جاء فيه أسلوب التقسيم المعهود فتفصيله كالآتي : الآية المعتبرة هي : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ [ العنكبوت : 14 ] . نلاحظ في هذه الآية أن اللّه تعالى لم يقل تسعمائة وخمسين سنة ، كما نعتاد أن نعد ، ولكن قال : أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً ، فأظهر بهذه الكلمات فترتين : إحداهما أساسية ( ألف سنة ) ، والأخرى فرعية : وهي خمسون عاما ، ودعّم هذا التمييز بذكر كلمتين مختلفتين : ( سنة ، عام ) لهما دلالات مختلفة ، تشير إلى حقبتين مختلفتين في محتواهما . فكلتا الكلمتين تشير إلى الحول في اللغة العربية ( أي إلى السنة في المفهوم العامي ) ، ولكن لهما دلالات إضافية غير دلالة الحول ، فكلمة ( سنة ) تشير في اللغة العربية في كثير من الأحيان إلى فترة صعبة تمرّ على الإنسان ، وكلمة ( عام ) تشير إلى فترة رخاء تمرّ على الإنسان . جاء في لسان العرب ( باب سنت ) : « أسنتوا ، فهم مسنتون : أصابتهم سنة وقحط وأجدبوا . . . وفي الحديث : وكان القوم مسنتين ، أي مجدبين ، أصابتهم السنة ، وهي القحط والجدب ، أسنت فهو مسنت ، إذا أجدب » . أما عن الدليل القرآني أن المراد من الكلمتين ( سنة وعام ) هو ( الشدّة والرخاء ) ، فلقد قال اللّه تعالى في سورة يوسف ، على لسان يوسف عليه السّلام ، عن الحقبة الزمنية العصيبة التي أتت على أهل مصر بما فيها من قلّة المئونة : قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ( 47 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ( 48 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ( 49 ) [ يوسف : 47 - 49 ] . فأسند الشدّة للسنين الآتية لما سيأتي على القوم من قلّة المئونة ، وأسند الرخاء للعام الآتي لما سيكثر فيه من الخصب . كذلك تكرّرت هذه الدلالات في سورة الأعراف ، وهي : وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [ الأعراف : 130 ] ، حيث قرن فيها اللّه تعالى السنين بنقص الثمرات . أما عن دليل السنّة ، فقد جاء حديث جليّ الدلالة على أن السنة في المفهوم النبوي هي الحول الذي قلّت خيراته ، وهو : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ليست السّنة بأن لا تمطروا ، ولكن السّنة أن تمطروا وتمطروا ، ولا تنبت الأرض شيئا » [ أخرجه مسلم ح 114 ] . وعودة إلى آية رقم 14 من سورة العنكبوت ، استنتج بعض العلماء من الألفاظ المذكورة ، ومن الصيغة التي نحن بصدد تفصيلها الآن أن هناك فترتين عاشهما نوح عليه السّلام : إحداهما تسعمائة وخمسون سنة ، وهي فترة إيذاء وتحدّي للنبي نوح عليه السّلام لبعثته فيها ، وأخرى عاشها برخاء وطمأنينة بعد البعثة ، وقد اختلفوا في مقدارها . جاء في تفسير روح البيان للبروسوي في صدد تفسير الآية المعتبرة : « [ إلا خمسين عاما ] ، العام -